ابن تيمية
56
مجموعة الفتاوى
إلَّا بِالتَّوْحِيدِ ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ لَمْ يَزَلْ فَقِيراً مُحْتَاجاً مُعَذَّباً فِي طَلَبِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ . وَاَللَّهُ تَعَالَى : { لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } . إذَا حَصَلَ مَعَ التَّوْحِيدِ الِاسْتِغْفَارُ حَصَلَ لَهُ غِنَاهُ وَسَعَادَتُهُ وَزَالَ عَنْهُ مَا يُعَذِّبُهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ . وَالْعَبْدُ مُفْتَقِرٌ دَائِماً إلَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ كَمَا هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى عِبَادَتِهِ ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ دَائِماً فَقْرَهُ إلَى اللَّهِ وَحَاجَتَهُ فِي أَنْ يَكُونَ مَعْبُوداً لَهُ وَأَنْ يَكُونَ مُعِيناً لَهُ ؛ فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَلَا مَلْجَأَ مِن اللَّهِ إلَّا إلَيْهِ . قَالَ تَعَالَى : { إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } أَيْ يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ . هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ؛ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ كَالْفَرَّاءِ وَغَيْرِهِ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ فِي الْآيَةِ : يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ . تَقُولُ الْعَرَبُ أَعْطَيْتُ الْأَمْوَالَ : أَيْ أَعْطَيْتُ الْقَوْمَ الْأَمْوَالَ ؛ فَيَحْذِفُونَ الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ . قُلْتُ : وَهَذَا لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يُخَوِّفُ النَّاسَ أَوْلِيَاءَهُ تَخْوِيفاً مُطْلَقاً لَيْسَ لَهُ فِي تَخْوِيفِ نَاسٍ بِنَاسِ ضَرُورَةٌ ؛ فَحَذَفَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُوداً . وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَر ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ تَخْوِيفِهِمْ مِن الكُفَّارِ فِي إنَّمَا نَزَلَتْ فِيمَنْ خَوَّفَ الْمُؤْمِنِينَ مِن النَّاسِ . وَقَدْ قَالَ : { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ } الضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ ؛ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ : { فَاخْشَوْهُمْ } قَبْلَهَا وَاَلَّذِي قَالَ الثَّانِي : فَسَّرَهَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الشَّيْطَانَ إنَّمَا يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ؛ لِأَنَّ سُلْطَانَهُ عَلَيْهِمْ ، فَهُوَ يُدْخِلُ عَلَيْهِمْ الْمَخَاوِفَ دَائِماً وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ وَعُدَدٍ وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَهُمْ مُتَوَكِّلُونَ عَلَى اللَّهِ لَا يُخَوِّفُهُمْ الْكُفَّارُ أَوْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ ؛ أَيْ : يُخَوِّفُ